محمد بن جرير الطبري

74

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَعَمِلَ صالِحاً والهاء والألف كناية عن الكلمة . وقال : إِلَّا الصَّابِرُونَ يعني بذلك : الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا ، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذات الدنيا وشهواتها ، فجدوا في طاعة الله ، ورفضوا الحياة الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ يقول تعالى ذكره : فخسفنا بقارون وأهل داره . وقيل : وبداره ، لأنه ذكر أن موسى إذ أمر الأرض أن تأخذه أمرها بأخذه ، وأخذ من كان معه من جلسائه في داره ، وكانوا جماعة جلوسا معه ، وهم على مثل الذي هو عليه من النفاق والمؤازرة على أذى موسى . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : أخبرنا الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد الله بن الحرث ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت الزكاة أتى قارون موسى ، فصالحه على كل ألف دينار دينارا ، وكل ألف شيء شيئا ، أو قال : وكل ألف شاة شاة " الطبري يشك " ، قال : ثم أتى بيته فحسبه فوجده كثيرا ، فجمع بني إسرائيل ، فقال : يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه ، وهو الآن يريد أن يأخذ من أموالكم ، فقالوا : أنت كبيرنا وأنت سيدنا ، فمرنا بما شئت ، فقال : آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي ، فتجعلوا لها جعلا ، فتقذفه بنفسها ، فدعوها فجعل لها جعلا على أن تقذفه بنفسها ، ثم أتى موسى ، فقال لموسى : إن بني إسرائيل قد اجتمعوا لتأمرهم ولتنهاهم ، فخرج إليهم وهم في براح من الأرض ، فقال : يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ، ومن افترى جلدناه ، ومن زنى وليس له امرأة جلدناه مئة ، ومن زنى وله امرأة جلدناه حتى يموت ، أو رجمناه حتى يموت والطبري يشك " ، فقال له قارون : إن كنت أنت ؟ قال : وإن كنت أنا قال : فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة . قال : ادعوها ، فإن قالت ، فهو كما قالت ؛ فلما جاءت قال لها موسى : يا فلانة ، قالت : يا لبيك ، قال : أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء ؟ قالت : لا ، وكذبوا ، ولكن جعلوا لي جعلا على أن أقذفك بنفسي ؛ فوثب ، فسجد وهو بينهم ، فأوحى الله إليه : مر الأرض بما شئت ، قال : يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى أقدامهم . ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى ركبهم . ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى حقيهم ، ثم قال : يا أرض خذيهم ، فأخذتهم إلى أعناقهم قال : فجعلوا يقولون : يا موسى يا موسى ، ويتضرعون إليه . قال : يا أرض خذيهم ، فانطبقت عليهم ، فأوحى الله إليه : يا موسى ، يقول لك عبادي : يا موسى ، يا موسى ، فلا ترحمهم ؟ أما لو إياي دعوا ، لوجدوني قريبا مجيبا ؛ قال : فذلك قول الله : فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ وكانت زينته أنه خرج على دواب شقر عليها سروج حمر ، عليهم ثياب مصبغة بالبهرمان . قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا : يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إلى قوله وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ يا محمد تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن عيسى ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن رجل ، عن ابن عباس قال : لما أمر الله موسى بالزكاة ، قال : رموه بالزنا ، فجزع من ذلك ، فأرسلوا إلى امرأة كانت قد أعطوها حكمها ، على أن ترميه بنفسها ؛ فلما جاءت عظم عليها ، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل ، وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت .